| الرئيسية | التسجيل | البحث | التحكم | خروج ! |

 
اعلان هام للجميــــــــع من الأدارة العليا||
بسم الله الرحمن الرحيم ...عفوا ً لن يتم تفعيل اي اسم مستعار للرجال >>> ممكن فقط للنساءوللضرورة بأقتناع الأدارة.. وسيحظر كل اسم غير لائق ....ويفضل أن تكون الاسماء الحقيقية لضمان سلامة النصوص الأدبية بعكسه لسنا مسئولين عن اي تضارب بالمسميات ويجب ان تثبتوا لنا صحة نصوصكم ....تقدم الطلبات لتغير المسمى الى قسم الادارة وسيتم العمل فورا ً بتغيرها....سأكون معكم وبينكم اخواني فهنا بيتنا الثاني الذي نلتقي به لنرتقي بكل محبة واخوة ....اهلا ً وسهلا ً في منتداكم الجميل الذي سيتزيين بكم ..اختكم / الماسة العراقية ... ......
 
 

الإهداءات

 
العودة   منتديات روعة الماس الأدبي > ۝ ۝ ۝ المنتدى الأدبي ۝ ۝ ۝ > القصة القصيرة والطويله بقلم الأعضاء > القصص والروايات المترجمة للعربية
 


آخر 10 مشاركات
الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
اسألي عني بتعرفيني / الحاج لطفي الياسيني

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
هاربة~بقلمي فريد مسالمة

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
تفاصيل وصور حفل قرطاج

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
وردة لمن تهديها ؟

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
يامساااااافر قبل ماترحل بدووووني................إهداء ل(آآآآآآآآآآآآني).

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
عندما أشتاقك

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
سجل مزاجك اليوم ياسمبن

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
أين تسكن روحك الآن !

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
إعترافات ليلية

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
لو معاك قلم وفيه نقطه حبر واحده تكتب بيها ايه ؟


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-19-2010, 11:17 PM   #1
 
الصورة الرمزية الماسة العراقية
Clap روايات عبير القديمة



على حصان الفجر- جانيت ديلي -روايات عبير القديمة

الملخص


الصحراء التي ضاعت فيها براندي ايمس ذات ليلة عندما أجفل حصانها وهرب لم تكن الا صورة طبق الأصل عن حياتها...رمال عذراء ناصعة لاتعرف الا الظمأ . قادتها قدماها الى النار الوحيدة التي كانت تثقب سماء الليل ,والى الرجل الذي ظنته لصا هاربا من العدالة لأول وهلة , وتبين لها ان ظنها هذا أبعد مايكون عن الحقيقة


... رعاها, وداوى الخدوش التي أصيبت بها وهي تهيم على وجهها في الصحراء .ولكنه بالمقابل مزق الغشاء الرقيق الذي كان يغلف قلبها بأبخرة الأحلام .تمنت لو يتوقف كل شئ عند هذا الحد.ولكن حياتها منذ الأن مغامرة لاتعرف العودة الى الوراء...

النار والرجل

تراقصت ذرة ذهبية من النور فوق نباتات المريمية معلنة أقتراب غروب الشمس , وأنحنت رؤوس العشب المرهفة أذعانا لنسيم المساء المتثائب بحفيف بطيء.
وأنطلق طائر الجوّاب السريع في أتجاه مواز لحصان عربي رمادي اللون , يخطو بخفة فوق مساحة الرمل المفروشة بالحصى , وأنحرف طائر الجواب فجأة صوب مخبأ من النباتات الشائكة , ثم أختفى عن الأنظار , وغيرت لمسة اللجام للعنق الأملس الرمادي أتجاه الحصان نحو اليمين حيث تنبسط صخرة عريضة جرداء , واقفة سدا منيعا بين نباتات الصحراء وبقية الأرض المنحدرة.
وصلصلت حدوات الحصان المعدنية فوق الصخر الأجرد.فأوقفت براندي أيمس حصانها هناك محدقة الى المناظر المترامية من موقعها المظل .
أستدارت أذن رمادية نحوها , ومد الحصان عنقه أحتجاجا على اللجام المشدود دافعا رأسه الى الوراء بتأفف.
كان اللون الأصفر الشاحب قد أخذ يغزو زرقة السماء , وأنتشرت أصابع برتقالية من الأفق الغربي , مبدلة لون الظلال التي سكبتها الشمس الغاربة , وحتى خصلات شعر براندي الذهبية أكتسبت لونا نحاسيا, قالت بذهن شارد محدثة الحصان عن أفكارها بصوت مرتفع:
" وددت لو كنت رسامة لأرسم لوحة رائعة كهذه , غير أن الصورة تتبدل بشكل سحري , كأنك تشاهد تفتح برعم بطيء وتحوله ألى أشعاع مزهر.
صهل الحصان , فضحكت براندي ضحكة رقيقة:
" هل تعتقد أنني جامحة الخيال يا رشاد؟ سوف تكتشف مع مرور الأيام أن غروب الشمس في ولاية أريزونا يبعث في مشاعر غريبة ".
وبعد أن لفت طرف اللجام حول مقدمة سرجها الأميركي الغربي , ترجلت براندي بخفة متناهية , متحركة برشاقة فطرية نحو رأس حصانها, توقفت هناك متحرية الخيوط القرمزية الأولى التي أخذت تلامس ذيل الغيوم المتناثرة في الفضاء.
وتوهجت قسمات وجهها المغمورة بأشعة الشمس في سمرة ذهبية شاحبة , وزاد من بروز عينيها المستديرتين المتألقتين بلون فيروزي أخضر , شموخ أنفها المستدق الأشم , وشكل ثغرها المرهف ,ونظرا لبنيتها الضامرة كانت توحي بالهشاشة والضعف , فتحجب عن الأعين قامتها المتوسطة , مركزة الأنتباه على المعصم النحيل وعظام القدم الهزيلة , وكانت مفعمة بالحيوية التي تضفي عليها جاذبية خاصة, ألا أن هدوءها الذي كان يحيط بها بأستمرار ساهم في عدم لفت الأنظار اليها , ولا شك أن براندي كانت ستضحك ساخرة لو أن أحدا وصفها بالخجل , لكن جوا من التحفظ كان يحيط بها, ولا يسمح ألا لقلة من الناس بأختراقه , أما الآن وهي تقف وحيدة , فلم تجد حرجا في أطلاق العنان لسجيتها.
دفع الحصان كتفها برفق وكأنه يذكرها بوجوده , وأستجابت بمداعبة وجهه من غير أن تحول عينيها عن غروب الشمس الحالم , قالت وهي تتنهد:
" كانت كارن تتفاخر اليوم في الدكان بأبهة جبال روكي الصخرية في الشمال , ومدى وعورتها وروعتها , دعها تتمتع بتلك العظمة يا رشاد , أما أنا فسأحافظ على هيامي بصحراء سونورا هنا كل يوم عند مغيب الشمس.
كانت سفوح الجبال تتوهج باللون القرمزي البرتقالي , مشتعلة بكرة اللهب المنغمسة قرب أديم الأرض , وأنحسر أمتداد السماء الزرقاء الشامخ لجهة الشرق عن أنصهار أرجواني , في حين بدا الأفق الغربي برتقاليا أحمر داميا , حبست أنفاسها أمام تناثر الألوان الغامض, وسحبت يدها بعيدا عن وجه الحصان مرورا بنعومة أنفه المخملية ثم أعادتها الى خصرها.


يتبع /


التوقيع :

  رد مع اقتباس
قديم 01-20-2010, 01:49 PM   #2
 
الصورة الرمزية الماسة العراقية
Clap



2/
دفع الحصان كتفها مرة ثانية نافخا بخيشومه متذمرا , ومغيرا مواقع حوافره على الصخر الأجرد الأملس بتململ ظاهر , قالت براندي:
" كف عن التفكير في معدتك يا رشاد".
وربتت على أنفه برشاقه رغم وضوح رغبته في قضم كم سترتها البيضاء.
" أن علفك من الشوفان والتبن سيكون في الأسطبل عندما نعود , أطمئن فلن يأكله أحد , ما أروع هذا الغروب!".
ولوحت بيدها صوب الأفق.
" عليك أن تتعلم التمتع بهذا المنظر تماما مثل ستار , لقد رافقتني هذه الفرس مرات عديدة عندما كنت أتناول عشائي من السندويشات في الغسق الصحراوي .
وكالمعتاد جلبت ذكرى الفرس الرقطاء شوقا حزينا أنتشر فوق زوايا فمها , غير أن أهلها لم يلبوا رغبتها الى أن بلغت العاشرة من عمرها , فأهدوها فرسا عمرها ثمانية أعوام , وكانت هي والفرس لا تفترقان حتى لبت ستار نداء خالقها في الصيف الماضي , وذلك بعد أسبوع من عيد ميلاد براندي العشرين.
حصلت على رشاد , الحصان العربي المفعم حيوية , في فصل الشتاء المنصرم.
لكن براندي أفترضت أن مثل هذه المقارنة بين شخصيتي الحصانين المختلفتين كليا.
لكن براندي أفترضت أن مثل هذه المقارنة بين الأثنين مجرد مسألة طبيعية في بعض الأحيان , شكلت ستار جزءا جيويا من طفولتها , صديقة , زميلة , ومؤتمنة على أسرارها , ولا يعني ذلك عدم وجود الصديقات الحميمات في حياتها , بل بسبب معيشتها هنا في الريف غربي مدينة توسون , بدون جيران , ولكونها وحيدة لأهلها , أضحت براندي تعتمد أعتمادا كبيرا على رفقة فرسها.
ومع نموها أضحت تصرف وقتا طويلا وحيدة , لكنها لم تشعر أبدا بالوحدة والوحشة , أذ كانت محبة والديها لها ذات طبيعة ثابتة دائمة , مع أنهما كانا يبديان في بعض الأحيان دهشتهما من أن براندي هي فعلا أبنتهما , وكان كل من والديها , لينوا وستيوارت أيمس قد حصل على درجة الدكتوراه في حقل دراسته المعين , وحازا على منصب الأستاذية في جامعة توسون , ولشغفهما بمهنتهما , أظهرا أستغرابهما في بداية الأمر لأنعدام طموحها الثقافي في الحياة .
مع ذلك , فأن درجة حبهما وحكمتهما منعتهما من محاولة أجبارها على أتباع طريق محددة , فأذا كانت تفضل التكاسل والأسترخاء في المنزل والعمل اليدوي , فأنهما كانا سعيدين بما يرضيها , ولم تكن تبدو عليهما دلائل الخيبة لأن أبنتهما تجنبت أختيار حياة فكرية مثلهما.
ولم تشعر براندي مرة واحدة أن مستواها أقل من والديها نتيجة عملها ككاتبة في متجر للفنون والحرف , أو لأنها غالبا ما تقوم بمعظم أعمال المنزل , ومن الصحيح أنها وهي في سن العشرين , أو الواحدة والعشرين , قد تأخرت في مغادرة عش طفولتها الى العالم الخارجي.
وسبق لكارن , صديقتها الحميمة الفتاة التي تعمل معها في المتجر , أن ألحت على براندي للأنتقال الى مدينة توسون ومشاركتها الشعور السامي الذي يغمرها عندما تغادر منزلها نحو الصحراء , فتبتعد أميالا عن كل شيء , وتقف في العراء حيث لا أبنية شاهقة تحجب النظر الباهر لذلك الأنبساط مع الرمل والفضاء.
وماذا عن غروب الشمس ؟ كم ستفتقد الغروب لو عاشت في المدينة , كانت في بعض الأحيان تكتفي برؤية المغيب وهي تقف في فناء منزلها , وتشعر مرات أخرى , مثل الآن , بدافع خفي يحثها لأمتطاء الحصان في أتجاه الصحراء , ومشاهدة الطبيعة .
وأستنشقت الهواء الطلق بقوة وهي تخطو نحو حافة الصخر المسطح وكأنها تبغي الألتصاق باللون البرتقالي القاني الذي غزا الفضاء , بدا الهواء حولها باردا ساكنا , ستضطر بعد قليل لأرتداء سترتها القطنية المربوطة في مؤخرة السرج , غير أنها أعتبرت بعض التموج في الهواء تغييرا منعشا أثر حرارة بعد الظهر.
قالت متمتمة:
" يا لروعتها , ولا يوجد غروب واحد مشابه للغروب الذي سبقه.
وباتت حدوة معدنية ملقاة وراءها بجانب حجر صغير , ألقت براندي نظرة فوق كتفها , وعيناها تتراقصان للحصان الرمادي المتبرم:
" لو كان والدي هنا لقدم لك تفسيرا علميا خالصا لمغيب الشمس المتألق.
وقالت بأبتسامة خاطفة:
" أن المسألة يا رشاد تعود الى الغلاف الجوي المحيط بالأرض , وكيفية تصفيته لأشعة الشمس ,السبب وراء هذا التوهج الهائل للشمس عند الظهيرة يكمن في أن الضوء في هذه الفترة يكون في أقل حالاته تعرضا للأمتصاص بواسطة الغلاف الجوي , لأن الشمس حينذاك تتسنم وسط الفضاء مباشرة , مع ذلك على أشعة الشمس أجتياز طبقات أكثر من الغلاف الجوي , فترشح خارجا الألوان الزرقاء والخضراء , في حين تظهر للعيان الألوان الحمراء والصفراء والبرتقالية , علاوة على ذلك فالغروب أشد لمعانا في ألوانه نتيجة تراكم ذرات الغبار المعلقة في الجو أثناء ساعات النهار.
أخذ لون الأفق الغربي يزداد أحمرارا الى أن أضحى قرمزي الظلال , شبكت براندي أبهامها في عرى زنارها وتنهدت:
" أن وصف المغيب بكلمات مثل شعاع الضوء والغلاف الجوي يزيل عنه بعض سحره أليس كذلك ؟".
وأحنت رأسها غارقة في تفكير عميق ,وخصل الشعر الذهبية تتناثر فوق وجهها.
" المغيب يصبح أكثر متعة عندما يغلف سحره غموض عجيب .
وفجأة مزق دوي بندقية الصمت الذي خيم أثر كلماتها الرزينة , أنه أحد رعاة البقر يطلق النار على ذئب ضار , حدثت براندي نفسها محاولة تجاهل الموضوع لأعتقادها أنه مجرد صوت حملته الصحراء عبر المسافات , غير أن الأنفجار المدوي لم يغب عن بال الحصان العربي اليقظ.
وأعقبت طلقة البندقية قعقعة حوافر تعدو فوق الحجارة , ودارت براندي بسرعة ليقع نظرها على طيف حصانها الهارب , فر رشاد منطلقا صوب المنزل , وجاءت ردة فعلها الأولى غريزية , أذ وضعت أصبعين على فمها فخرج صفير حاد ثاقب لو سمعته فرسها ستار لأستجابت له فورا , لكن الحصان العربي لم يفقه شيئا.
صاحت براندي جارية وراء الحصان والحصى يعيق تقدمها :
" رشاد , يا رشاد , أرجع الى هنا".
وبعد أن جرت قليلا أدركت أن لا سبيل الى أمساك الحصان , وأستطاعت من مسافة بعيدة رؤية العنق المقوسة والأذنين المنتصبتين , كان متوجها صوب أسطبله الى علف الشوفان والتبن , وخامرها الشك أنه لن يبطىء بعدوه الى أقل من الجيب حتى بلوغه المنزل.
تمتمت براندي لاعنة هذا العصيان الجامح:
" سوف أريك أيها الحصان الغبي المغفل".
لم يكن ثمة حاجة لألقاء التبعة على الحصان , هكذا فكرت وهي تداعب بأصابعها المنهكة خصلات شعرها , أن الذنب ذنبها لأنها لم تحكم رباط اللجام بالأرض , أنها تستحق طريق العودة الطويل نتيجة أهمالها المفرط ,حان الوقت لتعترف أن رشاد لا يعوّل عليه مثل ستار.
وجدت بعض العزاء وقد تذكرت أن والديها خرجا من المنزل لتمضية السهرة , فهما لن يقلقا عندما يعود رشاد بدونها ,وكانت الظلال تزداد قتامة , وبدا الهواء الصحراوي أكثر برودة.
لم تشعر بالأميال الخمسة التي قطعتها على ظهر الحصان , غير أنها الآن وهي تسير على الأقدام في هذه البقعة من الأرض ستجد الطريق طويلة وبردها قارسا كما أنها ستكون رحلة بعضها فيها الجوع ,فكرت براندي بأسى شديد وهي تتذكر السندويشات المطوية في جراب السرج .
وألقت نظرة أخيرة على أحمرار الشمس القاني , غطس الوهج الذهبي وراء الأفق , وتلألأ أول نجم سمائي بشحوب في الفضاء الأرجواني , سوف تهجم العتمة الآن بسرعة عجيبة , بدأت تقدر العواقب وهي تفكر في أجتياز كل هذه المسافة على قدميها , وحيدة تماما , وعبر الظلمة الداكنة.
سوت براندي كتفيها وشرعت بالسير في أتجاه المنزل , أكتشفت أن سطح الأرض يبدو مختلفا الآن وهي مترجلة لا تمتطي صهوة حصانها , بانت نباتات المسكيت الشائكة والمريمية أشد سماكة , والتلة المائلة أكثر أنحدارا ,وداخلها أرتياب عابر وهي تفكر في التباين الكلي لهذا المنظر عندما يهبط الظلام الدامس ,ثم لم تلبث أن ألقت بخوفها الغامض جانبا.
ضاعفت خطواتها بخفة متناهية , وغمرها اليقين أنها ستشاهد أنوار سطح الأسطبل عندما تصبح على قاب قوسين منه , أو أكثر بقليل , ستشكل الأنوار قبسا يهديها سواء السبيل في الأميال الأخيرة من رحلتها.
وهكذا تابعت المسير , كانت مشاعرها تتأرجح بين الظلال المديدة والعتمة ,ولم يكن القمر أكبر من شظية صغيرة في سماء الليل , لا فائدة من ضوئه الشاحب الذاوي ,وومضت النجوم بوهن قاتل , كأنه غبار حالم جميل لكنه لا يضيء ما حوله.
وبد أن الصوت الوحيد كان وقع خطواتها تطحن الرمل والحصى مع أحتكاك بنطالها بالمريمية ونبات المسكيت , وكان من الصعب عليها تفادي شجيرات الصبار الشوكي ,وغالبا ما وجدت نفسها في وسطها بعد فوات الأوان , فتضطر للتراجع خطوات قليلة لتلافي أشواك الشجيرات , أخذت تركز أنتباهها على الأرض الممتدة أمامها , غير أنها كانت عاجزة عن تثبيت وجهة سير منتظمة دائما , وكلما توقفت لألتقاط أنفاسها أمعنت النظر أمامها لتبين وجهة سيها مرة أخرى.
وأعتقدت مرات عديدة أنها ضاعت تماما , لكن سرعان ما كانت تتبين معالم الوجهة الأساسية فتتابع المسير.
ولشدة الظلام الدامس لم تتمكن من رؤية عقارب ساعتها , لكن براندي كانت واثقة أنها بمجرد بلوغها قمة الأكمة ستلمح أنوار الأسطبل المتلألئة.


يتبع /


التوقيع :

  رد مع اقتباس
قديم 01-20-2010, 03:22 PM   #3
احمد الهاشمي
زائر

افتراضي

تسلم ايدك

استاذه الماسه

والله كانت ايامها رائعه

ليتها تعود

بارك الله فيكِ

مودتي وتقديرى
  رد مع اقتباس
قديم 01-22-2010, 12:33 AM   #4
 
الصورة الرمزية الماسة العراقية
Laugh24



اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة احمد الهاشمي مشاهدة المشاركة
تسلم ايدك

استاذه الماسه

والله كانت ايامها رائعه

ليتها تعود

بارك الله فيكِ

مودتي وتقديرى

شكرا ً أستاذ احمد الهاشمي لمرورك الكريم ..مودتي


التوقيع :

  رد مع اقتباس
قديم 01-22-2010, 12:36 AM   #5
 
الصورة الرمزية الماسة العراقية
Laugh24



3/
حدقت مليا في سماء الليل الجميلة والنجوم المتألقة , وسألت نفسها هل يمكن لهذا الليل أن زداد ظلاما؟ وعبرت ثغرها أبتسامة مريرة , أحست بالندم لعدم أصغائها الى والدها عندما حاول أن يشرح لها مواقع النجوم والكواكب , أذ كانت أستخدمت هذه المعرفة للتأكد من وجهة سيرها.
" ربما أن تلك الكتلة من نبات المسكيت تحجب عني الضوء ".
قالت هامسة وهي تمشي بأجهاد.
لم تكن تعرف مدى المسافة التي قطعتها حتى الآن , وبدا لها كأنها سارت أميالا , لكن من المحتمل أنها كانت مخطئة , أخذت تشعر بالتثاقل في خطواتها , لقد أنخفضت الحرارة عدة درجات فأرتجفت مسام جسمها تلقائيا من البرد.
أصيب رأسها بدوار , فأنحت بالائمة على وخز الجوع في معدتها ,وصممت أنها ستلتهم فور وصولها الى المنزل طبقا هائلا من اللحم المطهي الذي ينتظرها في الثلاجة , ولم تخفف هذه الصورة المعذبة التي أرتسمت في عقلها من قضم الفراغ في أحشائها.
وبعد ألف خطوة توقفت وهي تسخر من نفسها , لا شيء حولها يبدو مألوفا , لا بد أنها أنحرفت عن أتجاهها في مكان ما , سقطت على ركبتيها منهوكة القوى يعضها الجوع القاتل , غير آبهة بحبات الحصى الحادة تنغرز في لحمها , لقد ضلت سبيلها لا محالة.
وطرحت على نفسها السؤال التالي : ما هو مدى أنحرافها عن وجهة سيرها الأصلية ؟ وهل تتابع السير آملة رؤية أشارة واضحة توفر لها الأدلة الكافية لوضعها على الطريق الصحيح؟ لم تكن هذه هي المرة الأولى التي وجدت فيها نفسها ضائعة في الصحراء ,لكنها كانت في الماضي تعتمد على فرسها ستار لتبين طريق العودة عندما يخفق أسلوبها العشوائي في الأكتشاف , يستحيل أنها هامت على وجهها في الأتجاه الخاطىء , خازمة ,وفركت يديها بحدة لطرد القشعريرة التي كانت تسري في ذراعيها المكشوفتين , ثم حسبت أنها أذا ما تابعت سيرها في خط مستقيم فهي ستشاهد عاجلا أم آجلا , أنوار المنزل , أو ستصل الى الدر ب المفروش بالحصى المؤدي الى حظيرة الماشية المجاورة.
عقدت العزم على مواصلة السير , فالحركة حتما أفضل بكثير من القعود في مكان واحد والتجمد حتى الموت , لا شك أنها تبالغ قليلا , أذ أنه من غير المحتمل بلوغ درجة البرد الى هذا الحد ,كانت تدرك طبعا أن العرف العام يقضي بالبقاء في مكان واحج عندما يضل المرء سبيله , غير أنها لم تكن تهيم على وجهها تماما , أنها تمشي الى الأمام سالكة طريقا مستقيمة لا بد أن تقودها أما الى جوار منزلها أو الى درب الحصى , لم تكن قد سارت مسافة طويلة عندما أحست بوخز في جنبها , أبطأت الخطى وضغطت بيدها على موضع الألم تجيل النظر فيما حولها , وأعتقدت أنها لمحت عن يسارها
وميض ضوء خافت , ألم تكن واثقة أن موقع منزلها أما أمامها مباشرة أو الى يمينها؟
وقفت صامتة تمعن النظر في البقعة التي أنبعث منها الضوء محاولة أختراق الظلام الدامس وأكفهر أدريم الأرض , ثم رأت الضوء مرة أخرى يتذبذب ويخبو , وفكرت مغتبطة: أنه ضوء بلا شك.
تقدمت براندي يحركها تصميم جديد , ولم تعد تبالي أين تقع مواطىء قدميها , ثم أن هذا الضوء في الصحراء يدل على وجود الناس , برغم شكها أنها أقتربت من منزلها.
وظهر الضوء أكثر وضوحا وهي تسير صوبه , تعارك نباتات المريمية والصبار الشائك التي أدمت ساقيها , لكن جزمتها الجلدية الغليظة نالت القسط الأعظم من هذه العقوبة , وفجأة أتخذ الضوء شكلا جليا , أنها نار خيمة منصوبة في ممر تلة , لا يتبينها المرء ألا من جهتها هي , وخامر براندي شعور بالأرتياح بحسن حظها , غير أنها لشدة أرهاقها أكتفت بأبتسامة فاترة:
" مرحبا!".
صاحت وهي تركض متجهة نحو بريق النار , وقد غمرها أرتياح داخلي أضفى طابعا من المرح على نبرات صوتها.
وتحرك شكل أسود عند طرف دائرة الضوء , أنه موقد النار ومنقذها .... بقي الشكل تستره الظلال حتى وهي تندفع نحو الدائرة المقابلة.
أعلنت بأرتياح عميق:
" كم أنا سعيدة برؤيتك".
وتابعت:
" لقد ضللت السبيل وأنا في الطريق الى المنزل , وبدأت أقتنع أنني سأقضي الليل في الصحراء وحيدة".
" حقا؟".
كان صوت الرجل خفيضا وخشنا.... لاذعا يمتزج بغضب خفي.
قطبت براندي حاجبيها توجسا , لم تكن تتوقع أستقبالا حارا ,لكنها ظنت أن الرجل سيبدي بعض القلق عندما تشرح له أنها ضلت سبيلها!
" لقد....... لقد كنت أتنزه على حصاني".
ثم قررت أن عليها الأسهاب أكثر في شرح محنتها.
" فر مني حصاني , وكنت أسير نحو المنزل عندما هبط الليل , ولا بد أنني أتخذت حينذاك أتجاها خاطئا".
خيمت لحظة من الصمت الثقيل قبل أن يجيبها الرجل الذي تستره الظلال:
" ووجدت نفسك فجأة أمام خيمتي , أليس كذلك؟".
ومرة خرى غشت صوته الخفيض سخرية لاذعة , قاسية .
" شاهدت الضوء المنبعث من الخيمة فكان منظرا يبعث على السرور".
تكلمت متلعثمة , محاوة أختراق الظلام علها تستطيع رؤية أكثر من شكل أنسان قاتم , وترامى الى أذنيها وقع حوافر حصان يتململ في العتم الداكن, فأحست براندي بتصبب العرق في راحتي يديها .
وفجأة أدركت أنها لم تكن محظوظة فعلا , من هو هذا الرجل , وماذا يفعل هنا وسط الصحراء؟
شرعت النيران تلتهم غصنا غليظا فتهاوى طرقاء وسط اللهب , وأرداد سطوع النيران مشعة بقوس أشد أتساعا غمر شكل الرجل الغريب و ولمع شيء ما في يده , فأنتاب براندي هلع شديد لرؤيتها نصل سكين يتهددها.
وأرتطمت نظرتها المحدقة بوجهه ,كانت حافة قبعته العريضة مشدودة الى الأسفل فلم تلمح سوى بريق عينيه الخافت , ونمو الشعر الخشن الأشود يكسو فكه وخده وذقنه.
أنه شعره يتسم ببعض الطول , لكنه لا ينبسط في لحية تامة عامرة , وكان يرتدي سترة جلدية فوق قميص أسود قاتم مما ضاعف من عرض منكبيه ,وبنطالا ضيقا يشد جسمه بأحكام ,ولدا في وهج النار المتماوجة أنه أكثر ضخامة مما تبادر الى ذهن براندي في البداية ... أكثر ضخامة , ومثيرا للرعب.
لم يبعث مظهره الزري هذه الطمأنينة في نفسها , كان الغضب يتملكه لأنها وجدته في هذا المكان , مما يعني أنه يخفي شيئا , بلعت براندي ريقها , هل هو سارق ماشية؟ أنه أستنتاج منطقي , أذ أن سارقي الماشية أصبحوا كالوباء أكثر أنتشارا مما كانوا عليه في الأيام الأولى للغرب لأميركي , وأزدادت قناعتها بصحة رأيها وهي تشبع هذه العضلة تمحيصا.
ليس راعي بقر من حظيرة الماشية المجاورة , فهي تستطيع التعرف على معظم رعاة البقر هناك , ويندر في هذا العصر الحديث ذي الجياد المقطورة والسيارات مصادفة راع للبقر ينصب خيمة في هذا العراء , أيا كان غرض هذا الرجل فهو حتما سيء النية , ما هذه المصيبة التي أقحمت نفسها فيها؟ لقد رأته , وتعلم أنه يخيم هنا , وعلاوة على ذلك, أنها تستطيع التعرف عليه أينما وجد بعد الآن.
سرت قشعريرة من الخوف في مفاصلها وهي تعيد النظر الى السكين بين أصابعه , وأدركت بذعر هائل أنه يمكنها التعرف عليه لو أستطاعت الخروج من هذه الورطة حية , قالت بصوت مضطرب:
" أسمعني , أنا لا أريد أن أسبب لك المتاعب , لو تساعدني في تحديد أتجاه بيت أيمس , فسوف أمضي في سبيلي".
أجابها بتهكم ساخر:
" ستمضين في سبيلك؟".
ولمعت أسنانه البيضاء وسط تلك اللحية السوداء , وشفته العليا تلوك الكلمات:
" قد تضلين الطريق مرة أخرى؟".
وبدا من بريق عينيه أنه يجد هذه الأمكانية مثيرة للضحك , لكن براندي أدركت تماما ما الذي يعنيه ,لم يكن ينوي أخلاء سبيلها , فغمرتها موجة من الحزن والذعر , وعندما تقدم الرجل خطوة نحوها , عرفت أن أمامها خيارا واحدا.
وبصرخة تضج خوفا أطلقت ساقيها للريح بأتجاه الصحراء , غير عابئة الى أين تقودها قدماها يكفيها أنها تركض بعيدا عن النار والرجل , ولم تسمع وطء خطوات تتعقبها لشدة الضجيج الذي تثيره.
أدى بها هروبها الى درب تحجبها شجيرات خضراء كثيفة , وأذا بالأغصان الشائكة ونباتات الصبار تمعن تمزيقا في جلدها وقميصها , فدخلت في صراع منهك مع عوامل الطبيعة والصحراء الصخرية ,ولم تتمكن من متابعة ركضها ألا بشق النفس.
ثم زلت بها القدم, فخرجت صرخة مروعة من حنجرتها وهي تندفع بعنف الى الأمام مرتطمة بالأرض بقوة كادت تقضي عليها ,وتدحرجت على ظهرها محاولة أسترجاع أنفاسا , لا تبالي بالأشواك الحادة المنتشرة تحتها.
فتحت عينيها ببطء فتسمرتا على الرجل الطويل ينتصب فوقها مباشرة , تجمدت في مكانها لا تستطيع حراكا.


يتبع /4


التوقيع :

  رد مع اقتباس
قديم 01-22-2010, 12:37 AM   #6
 
الصورة الرمزية الماسة العراقية
Laugh24



4/
فتحت عينيها ببطء فتسمرتا على الرجل الطويل ينتصب فوقها مباشرة , تجمدت في مكانها لا تستطيع حراكا.
قال بتنهد ممزوج بالغضب:
" لقد أرتكبت حماقة لا تغتفر".
وبدأ ينحني بقامته نحوها , فأزدادت براندي ألتصاقا بالأرض .
" لا تلمسني!".
رن صوتهامتحديا برغم الخوف الذي يكتنفها.
" أسكتي!".
هز رأسه وجرها بفظاظة بشعة , فأخذت تتلوى وتركل محاولة الأفلات من أصابعه الفولاذية , قاومت بعنف الى أن أشتبكت جزمتها بعظم ساقه.
" أيتها الفتاة الوقحة".
غمغم متبرما.
" ما الذي تريدين أثباته؟".
وبسرعة فائقة ألتفت يده على معصمها ورفعها عن الأرض , وحشرها تحت ذراعه مستعينا بوركيه , وظلت قدماها تركلان الهواء وهو يحملها عائدا الى خيمته بدون عناء كأنها كيس من البطاطا .
ألحت عليه براندي بصوت مرتجف:
" أتركني وألا بدأت الصراخ!".
فرد عليها الرجل بكياسة خبيثة:
" لا مانع لدي , باشري الصراخ أذا كنت ترغبين , فقد تهجم كل الأفاعي والعقارب لأنقاذك".
عندئذ أدركت أن صرخات أستغاثتها ستذهب أدراج الرياح , فأزدادت مقاومتها عنفا للتخلص من القبضة الفولاذية التي سمرت يديها ورفعتها بسهولة عن الأرض.
بلغا نار الخيمة وقبضته لا تزال تمسكها بقوة, ثم أنحنى وأنزلها على قدميها بخشونة بالغة.
وما أن أخلى سبيلها حتى راحت تركض عائدة الى أمان الصحراء , لكنه لم يلبث أن لحق بها , غارزا أصابعه الغليظة في لحم كتفيهاالطري , وجذبها نحو صدره الصلب .
صرخت بصوت متأوه:
" دعني أذهب ".
قال ساخرا:
" أنك ضائعة, هاه؟ أو هل لديك بعض الأصدقاء في الجهة المقابلة من الأكمة؟".
أحتجت براندي بأرتباك فعلي:
" كلا, لقد أخبرتك أنني ضائعة , أقسم لك أنه لا يوجد أحد معي ".
وأدركت بعد فوات الأوان أنها أرتكبت هفوة مشؤومة , فلو ظن أن أحدا ما ينتظرها في الجوار , ربما أمتنع عن الأساءة اليها , أما الآن فهو لن يتصرف بحذر وأحتراس.
وجدد الهلع من عزيمتها لتحاول الهروب مرة أخرى , فراحت تلطمه بمرفقيها وكعبي جزمتها , متلوية للأفلات من قبضة يده الفظة , ولهاث أنفاسها يبعث على الحزن والشفقة.
ال بصوت هادر:
" لن أتحمل نوبات الهستيريا هذه طويلا".
وتمكنت بطريقة ما من شك قدمها خلف رجله فأفقدته توازنه , تراخت قيضته قليلا , غير أنه أستطاع جرها معه نح الأرض , وقبل أن تتمكن من الأنفلات تكوم فوقها , فلم تحرك ساكنا وهو يكاد يسحقها بثقله.
وحاولت غرز أظافرها في عينيه اللامعتين القاتمتين مطلقة صيحة مخنوقة , لكنها فشلت فشلا ذريعا.
وبلمح البصر أمتدت ذراعاه فوق رأسها مسمرا معصميها بيديه , أستمرت تحاول الأفلات منه , غير أنه كان فائق الثقل والقوة.
قال بعنف لاذع:
" هل ستستمرين في المقاومة ؟ أنك لا تفعلين أكثر من أثبات مدى خبلك!".
توقفت عن الحركة لألتقاط أنفاسها , كان رأسها ملتويا لجهة واحدة ومشدودا الى حده الأقصى , ومع أن عينيها كانتا مطبقتين بأحكام , فقد ظلت تحس بلهاثه الحار , أنها أسيرة هذه العضلات الملحقة.
وكانت رائحته الكريهة تخنقها.
تدافعت الكلمات بائسة بين أسنانها.
" أنصرف عني , أياك أن تلمسني!".
" كلا ".
قال بصوت هازىء .
" سأفعل ما يحلو لي فأنت تستحقين هذه المعاملة".
أنتابها توجس رهيب , لكنها لم تنبس ببنت شفة , لقد خافت على حياتها الى حد أهمالها أي خطر آخر , أنفتحت أهدابها والخوف يملأ عينيها الخضراوين , وأخذ رأسها يترنح وهي تخاطبه متوسلة اليه ألا يمسها بأذى.
خيل اليها الآن أن وجهه يزداد صرامة تماما مثل وجهها , وأحست بالشلل يدب في جسمها , فلم يعد في وسعها سوى التمدد ساكنة لا تجرؤ على التنفس , وتوقعت أنه سيعانقها بخشونة في أية لحظة , فألتهبت الفكرة كالنيران في شرايينها , قالت هامسة:
" أرجوك".
وعندما لم تبدر منه حركة أضافت:
" أرجوك دعني في سبيلي , أقسم لك أنني لن أخبر الشرطة ".
أعتقدت الآن أنها قادرة على تجاوز محنتها , لكن الشكوك ظلت تساورها حول نواياه ,وبدا لها أن توترا مشحونا قد تملكه وعيناه تتفحصان وجهها.
كانت قبعته قد سقطت عن رأسه أثناء العراك , ووقع نظرها دون أرادة منها على شعره الأسود المتراجع الى الوراء , والأشعث الوسخ طبقية مظهره , بقي صامتا لحظة خالتها دهرا , وقال مؤنبا:
"ما الذي تريدين حجبه عن الشرطة؟".
ولاحظت أن بؤبؤي عينيه قد ضاقا حذرا مع أبتعاده عنها قيد بوصة.
وعدته مرتعشة:
" لن..... لن أخبرهم أنني شاهدته, أعني... أنني لم أشاهدك فعلا تسرق الماشية , لذلك فأنا أقول الحقيقة , أعدك أنني لن أبوح بشيء حول لقائنا".
وأنفرجت أساريره عن أبتسامة:
" أذن فأنت فطنت الى سبب وجودي هنا؟".
أحنت رأسها بتردد , متمنية لو أنها تجنبت ذكر أي شيء حول سرقة الماشية ,ربما جعلته كلماتها تلك أكثر تصميما على أحتجازها , وتدحرج بعيدا عنها بسرعة خارقة برغم ضخامته , وأنتصب واقفا , شامخا فوق قامتها الممددة أرضا , واضعا يديه على وركيه.
تساءل بصوت مليء سخرية:
" وأنت تتعهدين بالحفاظ على سري الصغير؟".
" أذا ما تركتني أذهب".
عدلت براندي وعدها بعجل , وتحركت ببطء محاولة الجلوس , لا تجرؤ على تحويل عينيها عن الرجل الذي يراقبها بتمعن ودقة , ولاحظت للمرة الأولى أن قميصها ممزق , أذ كانت نقط الدم القاني تغطي القماش الأبيض حيث خدشتها الأشواك ومزقته , وبذلت جهدها ليظل مظهرها محتشما , بدون أن تلفت الأنتباه الى حركاتها .
قالت متلعثمة بقلق بالغ:
" لو......... لو أنك تحدد لي أتجاهي فقط".
سألها مقاطعا:
" أين تعيشين؟".
" في منزل أيمس........ والدي هو ستيوارت أيمس, أنه لا يبعد أكثر من خمسة عشر ميلا عن المركز الرئيسي لمزرعة سوارو , هناك فوق منحنى التلال ".
هكذا شرحت براندي له محاولة تمالك أعصابها ,حيث تراخت قليلا قبضة الخوف التي تجمعت في حلقها.
فكر لحظة , ثم هز رأسه:
" أنا لا أعرف هذا المكان للأسف الشديد , يخيل الي أنه لا يوجد منزل في تلك الدرب المفروشة بالحصى , لا أستطيع أن أدلك بوضوح على الأتجاه الذي تريدين بحيث تصلين الى هناك في هذا الظلام".
صدقت براندي كلماته , لم تعرف لماذا , ولكن شيئا في صوته أقنعها أنه يقول الحقيقة , نهضت واقفة , متشبثة بفتحتي قميصها لتبدو وكأنها نزررة ,وبرغم وقوفها أمامه كان عليها رفع بصرها نحوه لشدة طوله.
" لا أحتاج الى أكثر من أتجاه تقريبي".
قالت تطمئنه بسرعة:
" فور وصولي الى بقعة مألوفة أستطيع تحديد طريق العودة".
قال وهو يحملق بعينيها المتوسلتين :
" هل سيبحث أهلك عنك؟".
وأخذت هذه المرة تضرب أخماسا بأسداس صامتة لتقرر هل تكذب أم تكون صادقة؟
وقال صوت داخلي : الصدق أنقذها حتى الآن.
" لست متأكدة ما أذا كانوا سيبحثون عني أم لا".
أجابته بصراحة:
" لقد خرجوا هذا المساء , كل شيء يتوقف على تحققهم من وجودي عند عودتهم".
قال مصرا على أنتزاع جواب أكثر وضوحا:
" بكلمات أخرى قد لا يفتقدونك حتى الصباح".
خفضت براندي رأسها قائلة:
"هذا صحيح".
كان يدرس جوابها بتمعن شامل.
قال أخيرا:
" مع أنني بالخلاص منك لا يمكنني أرجاعك الى الصحراء لتهيمي على وجهك في الظلام , فقد تصلين الى المنزل وقد لا تصلين , ولسوء حظي قد تتعثرين وتكسرين رجلك , فيرجعك أحدهم الى خيمتي وأتحمل أنا المسؤولية".
وأبتعد عنها متجها نحو النار , وهو يفرك شعرات ذقنه الخشنة :
" أنني في غنى عن متاعب كهذه".
بدأت براندي محتجة:
" ولكن...".
" دعيك من الجدك الفارغ".
ثم قال مهددا:
" ستبيتين الليلة هنا وأعيدك الى منزلك غدا".
" لكن لا يمكنني البقاء هنا معك".
جاء رفضها عفويا وقبل أن تتمكن من كبحه.
نظر فوق كتفه وفي عينيه وميض شرس:
" ما بالك؟ هل تخافين منح ثقتك لسارق ماشية؟".
كادت تخنقها غصة في حنجرتها , وشدت قميصها حولها , سألته بجرأة كاذبة :
" وهل أنت محط ثقة؟".
قال لها بجزم قاطع:
" لن نتقاسم الليلة سوى دفء هذه النار , ولكن وقوفك بعيدا هكذا سيحرمك من هذه النعمة".
ونتيجة هلعها الدائم وعراكها مع الرجل سهت براندي عن الطقس البارد هذا الليل الصحراوي , غير أنها عند سماعها كلماته , أخترقت قشعريرة البرد قماش قميصها الرقيق بحدة ,وبفرائص مرتعدة , مشت نحو دفء النار المرجوة , وحافظت على مسافة خطوتين تفصلها عن الرجل , ولأنها كانت مترددة في منحه ثقتها الكاملة , أستتب الأمر على هدنة حذرة.
كانت حرارة النيران نعمة , ورفرفت أهدابها بعرفان جميل صامت وهي ترى يد الرجل تبتعد عن السكين , لكن الدماء تجمدت في عروقها وقد وقع نظرها على الغمد الجلدي المربوط بزناره , والذي سحب منه السكين فجأة , ومض النصل الفولاذي في وهج النيران فدب فيها الخوف مجددا.
لم يلحظ الرجل الخطوة المستعجلة التي خطتها براندي الى الوراء .
" هل أنت جائعة؟".
قال منتقلا الى الجهة المقابلة لها , وركع بجانب القضبان التي كانت تحمل الشواء.
قالت معترضة بصوت خفيض مع رؤيتها للحيوان المطهي المعلق بالعصا.
" نعم".
ولتوه قدم اليها قطعة من اللحم , وطوقت أصابعها العظم الناتيء عبر قطعة اللحم.
سألته وهي تنحني مقرفصة بجانب النار:
" ما نوع هذا اللحم؟".
" لحم أرنب".
أجابها بدون أن يرفع رأسه , وقطع لحم فخد أخرى وأستطرد متابعا:
"ربما كانت عسيرة الهضم بعض الشيء , ولكنها طعام في أي حال".
أكتشفت براندي قساوة قطعة اللحم وهي تحاول مضغها , لكن جوعها كان أقسى , وكادت تنظف العظم عندما تبادر السؤال الى ذهنها:
"وهل أصطدت هذا الأرنب؟".
أجاب بأحناءة رأس:
ط نعم".
" وبطلقة واحدة؟".
دفعه أصرارها الى أقاء نظرة فضولية مستغربة على وجهها :
" نعم , طلقة واحدة لماذا؟".
أرتسمت أبتسامة شاحبة فوق شفتيها :
" سمعت طلقة بندقية عند غروب الشمس جعلت حصاني يفر مني ويتركني هنا".
قال معترضا بنعومة:
" أذن أنا أتحمل المسؤولية , أهذا ما تقصدين ؟".
" كلا".
هزت رأسها وخصلات شعرها تتراقص لحظة قصيرة :
" كنت منهمكة أراقب غروب الشمس فلم أفطن الى ربطه بالأرض ,كانت غلطة حمقاء".
وافق بجفاف:
" نعم".
مزقت براندي قطعة أخرى من لحم الأرنب , ومضغتها صامتة , متمنية لو تمهل الرجل في أبداء موافقته , لم تكن تحاول تحميله مسؤولية فرار حصانها , ولا حتى في لا وعيها غير أنها وبأقل تعديل , لها حق الركوب في هذه البقعة من الصحراء أكثر منه بما لا يقاس , فهو ليس سوى سارق خسيس للماشية.......


يتبع /5


التوقيع :

  رد مع اقتباس
قديم 01-22-2010, 12:38 AM   #7
 
الصورة الرمزية الماسة العراقية
Laugh24



5/

ليلة لا تنسى
ألتهما لحم الأرنب الشهي ثم تناولا الفاكهة المكونة من ثمر الصبار الشائك, وجلست براندي قرب النار الدافئة , وقد خمد جوعها , أحتست قهوة حارة قوية في فنجان نحاسي , تمنت لو أنها تتمتع بقوتها مدة طويلة , غير أن توفر فنجان واحد جعلها تسرع في الأحتساء لتعطي الرجل فرصة الحصول على قهوته.
وقالت متمتمة بعد أحتسائها الرشفة الأخيرة من القهوة الصرفة وهي تناوله الفنجان:
" هذا رائع , الوجبة كلها رائعة , طبعا كنت جائعة كثيرا مما دفعني الى عدم الأهتمام بنوعية الطعام".
أكتفى الرجل بأحناءة الرأس وملأ فنجانه بمزيد من القهوة , لوت براندي رأسها الى جهة واحدة وقالت مستفهمة:
" هل تأكل هذا غالبا؟ أعني هل تكتفي بما تجود به الطبيعة؟".
أجابها بحركة لا مبالية:
" عندما أخرج الى الصحراء لا أحب أن أثقل نفسي بالمؤن".
"نعم...............".
فكرت براندي . أنه يحتاج في بعض الأحيان الى الأسراع لتجنب ألقاء القبض عليه , فالسفر بأحمال خفيفة مسألة منطقية جدا , ثم سألته:
" هل تأتي غالبا الى هذا المكان؟".
أمعن النظر في قسماتها لحظة طويلة وألسنة النيران تتوهج أمامهما.
أجابها بعفوية:
" نعم, في أغلب الأحيان".
أحتسى جرعة كبيرة من القهوة وكأنها ليست حارة لاذعة كما تتذكر براندي.
أخذت تجيل التفكير في جوابه حتى أدركت أنه يتعمد الغموض , ... فهي أذا ما أكتفت بمعرفة النزر القليل عن نشاطاته فلن تتمكن من أعطاء صورة وافية عنه للسلطات , ربما لم يثق بالوعد الذي قطهته حول عدم البوح بأي شيء عن لقائهما , وهي في أي حال ليست متيقنة أنها ستحفظ وعدها , ولعله فطن الى ذلك.
أحتسى جرعة أخرى من القهوة ثم أفرغ الحثالة على الأرض العطشى , راقبته براندي بحذر شديد وهو ينتصب واقفا ويتوجه نحو السرج الملقى على مقربة من النار , بل تكاد ألسنتها تلسعه بين الفينة والأخرى , فتح أحد الجرابين , وتناول صندوقا أبيض.
أحست براندي بالفضول ,قالت متسائلة وهو في طريق عودت:
" ما هذا؟".
أجابها قبل أن تلمح شعار الصليب المعروف:
" أنها عدة أسعاف أولي".
ألقت براندي نظرة على ذراعيها والبصمات الحمراء الواضحة التي خلفتها الأشواك تنتشر على جلدها الطري , كانت تشعر بوخز الخدوش بين الحين والأخر , غير أن معظم الخدوش كانت سطحية برغم منظرها الموجع , فلم تعرها أهتماما خاصا.
قالت وهي تعلن أحتجاجا غير مباشر ضد تلقيها أي أسعاف أولي:
" أنها لا تؤلمني , أكاد لا أشعر بوجود الخدوش".
غير أنه جلس مقرفصا بجانبها , دافعا بقبعته العريضة الى الوراء ,فتح الصندوق وبدأ يصب سائلا مطهرا من قنينة ضمادة من الشاش .
خاطبها بصراحة:
" سوف تشعرين بالألم أذا ما أصيبت الخدوش بالألتهاب".
أن كلامه منطقي , من يدري ربما كانت هذه الأشواك الحادة تعج بالجراثيم , مع ذلك خالجها شعور بالقلق وهي تفكر في علاجه لها .
قالت له بحزم:
" سأقوم أنا بالمهمة".
ومدت يدها لتناول الضمادة.
قال لها:
" من الأفضل أن أعالج هذه الخدوش بنفسي".
وأطبقت أصابعه على يدها الممتدة , وشرع بتنظيف بقعة ناتئة على ساعدها.
أضاءت النيران وجهه , وللمرة الأولى تمكنت براندي من التمعن فيه عن قرب , بدت قسماته البارزة تفيض قوة هائلة مما عزز أنطباعها الأولي عن مدى خطورته , وأزداد شعر لحيته وحاجبيه ورأسه سوادا مع جلاء بشرته التي لوحتها أشعة الشمس , وكانت لحيته القصيرة تستر فكه الصارم ووجنتيه الضامرتين المرهفتين.
وأعتقدت أنه سيبدو بدون لحية بالغ الجاذبية والفتنة , قررت أن لحيته تمثل قناعا للتنكر , وهو يكاد يكون مألوفا لديها , لكنها سرعان ما طردت هذه الفكرة عن ذهنها.
ولم يثر دهشتها حقا سوى تصرفاته العفوية الهادئة , كان بالغ الثقة مسيطرا على أعصابه ,وبخلاف ما تتوقعه من أنسان مطارد خارج على القانون , ومع ذلك ظلت تتساءل حول السبب وراء تحول رجل كهذا , معتد بنفسه في أوائل الثلاثينات من عمره , الى سارق ماشية , أن علامة أستفهام كبرى ترتسم حول هذا الرجل وتصرفاته .
حوّل أهتمامه الى ذراعها الثانية حيث أنكب على معالجة الجروح والخدوش , أن يديه وأصابعه قوية سمراء اللون ,ولا تبدو عليها آثار العمل اليدوي القاسي , وفوجئت بنعومتها ورقتها أيضا.
وأيقنت بادىء ذي بدء الذي خاضته معه , أن رجلا مفتول العضلات مثله يستطيع أن يكسر أحد عظامها بسهولة أو يتسبب بالآلام أكثر سواء لو أراد ذلك , لكنه لم يفعل شيئا من هذا , وجعلتها هذه الأفكار أكثر أطمئنانا لحضوره .
نظف آخر خدش في ذراعها وعقمه ثم رمى الشاش في النار , وفتح الصندوق ثانية , لقد أختفى الوخز اللاذع من جلدها .
قالت مقرة بعرفان الجميل:
" شكرا!".
حد اليها بطرف عينيه رافعا حاجبيه السوداوين ثم قال لها:
" أخلعي قميصك , وسوف أنظف الخدوش على صدرك ".
تفرست براندي في وجهه مشدوهة , منتبهة الى قطعة الشاش الجديدة في يده وقنينة السائل المطهر , وتحركت يدها تلقائيا الى ياقة قميصها وكأنها تحمي نفسها فألتوى فمه على نحو ساخر أمام تصرفها هذا .
قال لها بصوت هادىء:
"لماذا تعودين الى المشاكسة؟ هل تريدين تبديد جهودك مرة أخرى ؟ أما أن تخلعي القميص أو أقوم بخلعه أنا".
كان يعني كل كلمة نطق بها , أجابته حابسة أنفاسها:
" أعطني الضمادة وأنا أنظف الجروح".
ومضت عيناه ببريق خبيث عندما حاول أقناع براندي بفائدة أضطلاعه بهذه المهمة توفيرا للجهد والوقت , فهزت رأسها رافضة لكنه تابع حديثه قائلا:
" أن جسم المرأة لا يربكني , أنظري الي كمجرد طبيب".
أجابته محتجة:
" غير أنك لست طبيبا".
" أنك لا تزيدين الأمور ألا تعقيدا بأسلوبك هذا".
لم يسعها سوى الأعتراف بصدق كلماته , لكن أصابعها ظلت ترتجف وهي تفك أزرار قميصها.

كان القلق يراودها في سني مراهقتها الأولى من أن جسمها النحيل لن ينمو بل سيبدو مسطح الشكل والتكوين , لكن سرعان ما تبددت مخاوفها عندما صار ممتلئا وواضح المعالم , أنها الآن تعي كل ذلك وهي تخلع قميصها الرقيق وتمسكه في حضنها متوترة الأعصاب , وتسمرت نظراتها على نسيج ياقة سترته الجلدية , لامست رطوبة الضمادة الباردة خدش عنقها , بقيت براندي متصلبة كالتمثال وهي تفكر في أنحسار الرداء الذي يستر الجزء الأعلى من جسمها.
سألها وهو يعالج خدشا في كتفها:
" قلت لي أن أسم عائلتك هو أيمس".
كادت براندي ترفض الأجابة على سؤاله , ثم أدركت أنه يحاول تبديد مخاوفها ليس أكثر.
وبصوت منخفض أعلنت:
"أسمي براندي".
" براندي؟".
وحدق في وجهها ليتحقق من صحة قولها قبل أن يتابع معالجة كتفها , ثم قال:
" أنه أسم جميل ولا شك , ويذكرني بأمور كثيرة".
سألته بأبتسامة مضطربة:
" ما هو أسمك؟".
تردد لحظة ثم أجابها:
" جيم".
لم يذكر أسم عائلته , أكتفى بكلمة جيم فقط , أدركت أنه يخفي بقية هويته عنها , ومن المحتمل أن أسمه ليس جيم , بل أخترعه لمجرد التسلية.
قال محذرا:
" يوجد خدش في مقدمة الصدر لا بد من تعقيمه يا براندي".
وأنزلقت أصابعه على كتفها قبل أن تبدي أي أعتراض , وبنظرة خاطفة لمحت الخدش الذي أخذ يزداد أحمرارا , تدفق الدم في شرايينها وتسارعت نبضات قلبها وهو يعقم هذا الجرح المؤلم , رفع عينيه نحوها يسألها بقلق:
" هل آلمتك؟".
فسارعت منكرة:
" كلا!".
غمرت مسحة من الحياء الشديد وجهها , فأنكب مجددا على الضمادة حيث خيم أرتباك واضح , أن ما يجري حرك مشاعر براندي , فلم يعد بأمكانها أبداء عدم الأكتراث.
سألها :
" كم عمرك؟".
قطبت براندي حاجبيها منذهلة وهي تجيبه:
"عمري عشرون سنة , لكن لماذا؟".
تمتم الكلمات:
" أن وجهك يحمر خجلا كمراهقة صغيرة , أو كفتاة عذراء".
وتوهجت وجنتاها بمويجات الخجل مرة أخرى , آه لو تستطيع أنكار كلماته الحاذقة , ولكن كيف السبيل الى ذلك وهو يعرف أنها لا تنطق بالصدق؟ ولا يعني ذلك أنها ليست ذات خبرة في هذه المسائل.... غير أن خبرتها لا تزال ضمن نطاق معين من العناق البريء.
وبينما هي غارقة في أفكارها هذه , كان قد أنجز عملية التنظيف وأشار عليها بأرتداء قميصها.
أرتدت براندي قميصها بسرعة ولكن أصابعها راحت تضطرب وهي تبحث عن الأزرار .وراقبت جيم بطرف عينها ينهض ويمشي ليعيد صندوق الأسعاف الأولي الى مكانه في الجرج , وما أن عاد نحو النار حتى وجدت نفسها تزداد أقترابا من ألسنة اللهب.
وسألها:
" هل أنت متعبة؟".
ألقت نظرة على ساعتها فتعجبت لأكتشافها أن الوقت قد قارب منتصف الليل , ثم أعترضت على نحو متردد :
" نعم".
جلب من السرج فراشا ملفوفا بسطه فوق الأرض المسطحة قرب النار , كان فراشا صغيرا يكفي لشخص واحد , فبلعت ريقها متوجسة.
قال لها بلهجة آمرة:
" يمكنك النوم هنا!".
وسألته لتوها وهو يتحرك قرب السرج :
" وأين ستنام أنت؟".
نظر اليها نظرة هازئة منتقلا بين وجهها وقميصها الأبيض الرقيق وأعلن:
" ما دمت قد أستعدت حشمتك فلا أعتقد أنك تنوين مشاطرتي البطانية حتى لو أشتد البرد , لذلك أعتقد أنني سأنام قرب النار .
قال ذلك وهو ينحني لألتقاط سترته السميكة.
قالت براندي:
" يمكنك أن تأخذ الفراش , وأنا أنام هنا بجوار النار ".
مد أبهامه نحو البطانيات وقال بصوت لا أثر فيه للسخرية:
" أدخلي في الفراش ونامي!".
وأنصاعت لأوامره على مضض , وهي تظن أنها أذا رفضت حملها بنفسه لتنفيذ ما قال, حملقت فيه غاضبة وهو يمر أمامها لتعلمه أنها لا تحب هذه المعاملة القسرية , لكنه بدا غير عابىء بكا ذلك.
وخلعت براندي جزمتها وأنزلقت تحت البطانية متكئة برأسها على ذراعها , في حين كان جيم يزيد النار أتقادا , لم تكن تشعر بالنعاس , وسرحت بأفكارها وهي تحدق الى النيران المتصاعدة نحو والديها ... متسائلة عما أذا لاحظا غيابها من غرفتها , ربما ينظمان فريقا للبحث عنها في هذه اللحظة , وداخلها الشك أنهما لن يفتقداها حتى طلوع الفجر.
وحولت أنظارها نحو جيم , بدا بتلك السترة المنتفخة أكثر وأقوى مما هو عليه , ماذا سيقول أهلها لو قابلوه؟
كان سؤالها غريبا , ما دامت مشاعرها لم تثبت على شيء حاسم , فهي تارة تحس بالخوف أتجاهه اليها وكأنها فتاة صغيرة وليست أنسانة ناضجة , كل ما تعرفه أنها لا يمكن أن تقف منه موقفا حياديا.
,وطورا تبدي أعجابها بقوته وثقته بنفسه التي أدخلت الطمأنينة الى قلبها , ثم أنزعجت من سخريته اللاذعة , أو آلمها أسلوبه في توجيه الأوامر


يتبع /6


التوقيع :

  رد مع اقتباس
قديم 01-24-2010, 04:24 PM   #8
 
الصورة الرمزية الماسة العراقية
Laugh24



6/

فتحت عينيها المتعبتين وهي لا تدري أنها نامت نوما عميقا, وركزت نظرها بدهشة على الضباب الأصفر الذي ملأ السماء , أين هي النجوم؟ أن يكون الصباح قد أطل برأسه ! وفجأة لمحت كرة الشمس الذهبية تبزغ فوق الأفق , تكومت داخل الفراش متأوهة في حين كانت عظامها تحتج ضد قضاء الليل على هذه الأرض الصلبة , كان الهواء لا يزال مشبعا ببرودة الليل فأحست به يلسع أنفها ووجنتيها , وتدحرجت بأرتخاء لتواجه النار.
أكتشفت أن النيران أنطفأت والرماد بارد لا حرارة فيه , وحولت عينيها مذهولة نحو مكان السرج , فلم تجده هناك.
هل غادر وتركها؟ هل قرر عدم المخاطرة بمساعدتها للعودة الى المنزل لئلا يلقي القبض عليه؟ وهل تسلل في ساعات الفجر الأولى ليبتعد عن هذه البقعة خوفا من أنها لن تفي بوعدها وتطلع السلطات على حقيقة أمرهراحت الأسئلة تتسابق دون جواب في ذهنها , فرفعت عنها الأغطية ونهضت على قدميها مسارعة لأنتعال جزمتها , وفجأة شخر حصان وراءها.
سمعت صوتا خشنا خفيضا يقول لها:
" من الأفضل أن تنفضي هذه الجزمة قبل أنتعالها , ربما أن عقربا قرر قضاء الليل فيها".
وأستدارت براندي عند سماعها الصوت فهدأ روعها عندما رفعت عيناها على صورة جيم المألوفة وهو يقود الحصان المسرج نحو النار , لم يتخل عنها أذن , وعجزت عن التفوه بأي كلمة وهي تجيل النظر في سواد عينيه الغامضتين.
قامت بنفض الجزمة مصغية الى نصيحته , وخاطبته بلهجة أتهامية:
" كان عليك أيقاظي مبكرا!".
أجابها بلطف:
" كنت نائمة ولم يكن ثمة ما يدعو الى أيقاظك , لا بد أن القهوة لاتزال فاترة صالحة للشرب , أما طبق الفطور هذا الصباح فهو الأجاص البري".
رمى اليها الفنجان النحاسي الذي كاد أن يهوي من بين يديها فقالت:
" القهوة تكفي".

كان الرماد يحيط بأبريق القهوة , وبعد أن صبّت ما تبقى في قاعه تكومت براندي قرب النار , لم تكن سترتها الرقيقة تحميها ضد البرد القارس ,فحاولت الأفادة من حرارة الرماد المحتضرة , وراقبت بطرف عينيها جيم وهو يشد حزام السرج على الحصان.
سألها على نحو غير متوقع:
" هل نمت جيدا؟".
أجابت براندي بتسرع وهي تلعن كلماتها الدفاعية:
" نعم , لماذا؟".
فقال لها وهو يكمل أعداد الحان للرحلة :
" أنه مجرد سؤال ليس ألا".
مشى نحو النار وألقى بحثالة القهوة فوق الرماد , وحرك حبات الفحم السود بعصا صغيرة ليتأكد من عدم وجود بعض الجمر , ثم تابع:
" هل أعتقدت أنني رحلت وتركتك وحيدة هنا؟ هل هذا ما يزعجك؟".
تسمرت عيناها على وجهه مصطدمة بنظراته الهازئة الحادة , وأجابته وهي تهز رأسها :
" ذلك أمر محتمل".
" نعم هذا محتمل".
قال وهو يمسك بأبريق القهوة الفارغ:
" هل فرغت من رشف القهوة؟".
بلعت براندي بسرعة ما تبقى من السائل الفاتر وأعطته الفنجان , مراقبة اياه وهو يضع الأبريق والفنجتن في السرج , بقيت البطانية ملقاة على الأرض فأحست بقشعريرة غريبة وهي تفكر بالدفء الذي توفره.
وحدقت الى القرص المعلق في فضاء الصباح وقالت:
" تحركي أيتها الشمس , تحركي وأبعثي الدفء في صحرائك!".
لم يكن وقوفها في مكان واحد يساعدها على الدفء , خطت نحو فراشها وألتقطت البطانية السميكة , وما أن نفضتها من الغبار حتى تلقفها جيم معلنا:
" أنا سآخذها".
ترددت لحظة قصيرة ثم أرخت قبضتها عن البطانية بحركة متأففة , هل يظن أنها قادرة على طيّها بترتيب يلائم مواصفاته؟
ورفعت البساط المفروش على الأرض نافضة أياه على عجل وهي لا تكاد تصدق عينيها , أستدارت بفضول لترى نصل سكينه يمزق دائرة صغيرة وسط البطانية.
قالت مندهشة :
" ماذا تفعل؟".
أعاد السكين الى مقبضها الحديدي المتدلي من حزامه , وخاطبها قائلا:
" لن يصبح الجو دافئا قبل ساعة أو أكثر , وقد تتحولين الى قالب من الثلج قبل ذلك.........".
وبدون أستفاضة في الحديث غطى رأسها بالبطانية ثم تابع :
" يمكنك شد البطانية حول خصرك بحزامك".
وقفت براندي مسمرة النظرات على البطانية لا تدري ما تقول , وقد أضحت الآن ترتدي معطفا , وأحست بالدفء يسري في جسمها فهدأ روعها.



وأخيرا رفعت عينيها نحو وجهه متمعنة في قسماته , ثم نطقت بملاحظة غير ضرورية:
"أنك قضيت على البطانية ".
وأومأ برأسه موافقا , وأبتسامة هازئة ترتسم على شفتيه .
أنهى الموضوع بألتقاط البساط الذي كانت براندي قد أسقطته على الأرض , وقام بطيه على نحو حاذق ماهر , وبينما كان يتوجه نحو الحصان لأكمال عملية الحزم فكت براندي حزامها وسحبته من عرى بنطالها , أرادت أن تعبر له عن عرفانها بالجميل لكن الكلمات خانتها , وأحست في نفس الوقت أنه أدرك ما يجول في فكرها.
ربطت الحزام حول البطانية – المعطف- وكان جيم ينهي آنذاك أطفاء آخر ما تبقى من الجمرات , وبعد تأكده من أستعدادها للرحيل أمتطى صهوة الجواد وأخرج جزمته من الركاب ليتيح لبراندي أستخدامها , ممسكا بذراعها ليساعدها على الركوب خلفه , وبينما كانت تركز نفسها على ظهر الحصان قال لها:
" لدي فكرة عامة عن المنطقة التي يقع فيها منزلك , أعتقد أننا سنلتقي بفريق بحث عنك قبل أن نبلغه".
وافقت براندي على ملاحظته في حين راح جيم يلكز جنبي الحصان , وأنطلق الجواد بخفة في أتجاه شمال الشرق.
كان الرماد الذي خلفته النيران مكسوا بطبقة من الرمل , حيث لم يبق من دليل يشير الى وجودهما هناك سوى آثار أقدامهما , غير أن الصحراء ستتكفل بمحو الآثار خلال فترة قصيرة , وعلت وجه براندي مسحة من الحزن دون أن تدرك سببا لذلك .
مضى بهما الحصان فوق الأرض الرملية منحنيا بحذاقة شجيرات الصبار والأشواك , وأذا بصمت الصباح الآمن يجعل أي حديث غير وارد , وبدت المناظر المترامية غير مألوفة لبراندي مع أن الملامح الرئيسية لهذه البقاع لا تختلف كثيرا عن بعضها البعض.
وما عتم الدفء أن سرى في عروقها وهي تلتف بهذا المعطف الطويل , فأحست بالغبطة تغمرها وتجدد معنوياتها , وشكل نسيم الصباح العليل الوقت الملائم لحيوانات الصحراء البرية لتبحث عن شيء تقتاته , ولشدة سرعة هذه المخلوقات في الظهور والأختفاء كانت محاولة رؤية أحدها نوعا من التحدي.
وما كادا يقطعان نحو ميلين حتى أحست براندي بتغير في مشية الحصان , فبدا وكأنه يقاوم لجامه , أو كأن حجرا قد أستقر في حدوته , أنحنت برأسها الى الأسفل متمعنة في خطواته بعض الوقت فلم تلحظ شيئا غير أعتيادي.
ثم ألقت نظرة فوق كتف جيم فأذا بأذني الحصان تنتصبان توقعا , ورأسه يزداد أرتفاعا نحو الأعلى أذ يهزه بين الفينة والأخرى وهو يقضم بعض العلف , وظلت طريقة عدوه متثاقلة مجهدة.



يتبع /7


التوقيع :

  رد مع اقتباس
قديم 01-25-2010, 03:54 PM   #9
 
الصورة الرمزية الماسة العراقية
Laugh24



7/


أحنت براندي رأسها الى الأمام فلمحت وجه جيم المكفهر , ولم تلبث أن سألته:
" ما بال حصانك؟ هل قرر فجأة رفض أمتطائنا له سوية؟".
وجاء جواب جيم السريع:
" كلا!".
ومع ذلك ..... لا بد أنه أتفق في الرأي مع براندي أذ أوقف الحصان على الفور , بقي الجواد الأهيف يثب بأضطراب في مكانه , وتزداد رقبته شموخا , قطبت براندي حاجبيها وراحت تطرح الأسئلة مجددا.
تمتم جيم بصوت جمد كل أسئلتها.
وهنا , وبحركة خفيفة من العنان أستدار الحصان على أعقابه وأخذ يكض في أتجاه معاكس تماما لطريقهما السابق , وأضطرت براندي للتشبث بخصر جيم لتلافي السقوط عن ظهر الحصان .
ومن الواضح أذن أنهما يفران من شيء ما أو أحد ما , لم تتمكن باندي من التأكد , لكنها حدست أنه أحد الأشخاص , فأما أن يكون طليعة فرقة للبحث عنها أو أحد ممثلي السلطات القانونية جاء ليتحقق من سرقة الماشية.
وما كادت براندي تكيّف نفسها مع وقع الصوت حتى توقف الحصان قرب صخرة ناتئة.
" يا للعنة.....".
وخاطبها جيم قائلا:
" ترجلي".
وكاد أن يدفعها دفعا عن ظهر الحصان قبل أن تتمكن من أطاعة أوامره , وهرولت يسرعة مبتعدة عن الحوافر الدائبة الحركة , متوقعة أن يمضي الحصان بصاحبه في طريقهما مخلفين أياها وراءهما , وراقبت جيم بدهشة كبيرة وهو يمسك أعنة الحصان بيد ويرفع السرج عنه باليد الأخرى , ألقى بالسراج واللبادة أرضا وتوجه نحو مقدمة الحصان.
سألت براندي وهي تعبث بشعرها الذهبي مضطربة:
" ماذا جرى؟".
وجاءها الجواب الحاسم:
" أنها عاصفة رملية".
حدقت براندي الى الجهة الشمالية فأدركت أن ذلك السديم الأسود الذي يغطي الأفق ليس سلسلة جبال بعيدة بل عاصفة رملية هائجة , فأنتابها ذعر شديد.
سبق لها أن شهدت غضب هذه العواصف الجنوني , لكن ذلك كان وراء جدران قوية واقية , هذه هي المرة الأولى التي تجد نفسها معرضة لخطر العاصفة بدون حماية , وحولت نظرها برعب شديد نحو الرجل الطويل ذي المنكبين العريضين وهو يصارع الحصان الذي يشب على قائمتيه الخلفيتين مذعورا ,ورأت أنه يجاهد لفك اللجام عنه.
حبست براندي أنفاسها:
" هل تنوي أطلاق عنانه؟".
وأنفك رباط الفك الجلدي في تلك اللحظة بالذات فبدأ الحصان يخرج رأسه من اللجام , ها هو الآن حر لا يقيده شيء , وأنطلق كالسهم يعدو عبر الصحراء.


أشار جيم وهو يجمع السرج واللبادة :
" أنه حصان ولد وتربى في الصحراء , فهو حتما يعرف كيف يحافظ على نفسه هنا أكثر منا , هيا بنا الى الصخور".
ولم ينتظر جيم طويلا بل قادها بنفسه نحو الصخور الناتئة , ودفع اليها بلبادة السرج بعد أن تبين النتؤات الحادة , وأسرعت براندي تحشو اللبادة في فجوة بينما أخذ جيم ينفض البساط , وبنظرات قلقة حدقت في أتجاه العاصفة الزاحفة ثم أستدارت نحو جيم لتبلغه أنها جاهزة , فعمد الى لفها بالبساط وجلست وأياه مستندين الى الصخرة الكبيرة.
طوقها بذراعيه وشدها الى صدره حيث لف نفسه هو الآخر بجزء من البساط مغطيا رأسيهما تحسبا لما سيأتي.
ولم تكن براندي تفكر ألا بتلك العاصفة الزاحفة نحوهما .
وأنقضت العاصفة فجأة كالبرق الخاطف , وبدا كأن تيار الريح يحاول جذبها بعيدا عن الصخرة , فلفت براندي ذراعها حول خصر جيم بحركة لا شعورية.
أخذ الغبار يتسرب بحبيباته الدقيقة الى أنفها وحنجرتها فكادت تختنق , وأذا بالرمل المتطاير يهجم عليهما من كل حدب وصوب , قاذفا بأبره المسننة اللاسعة في وجهيهما , وأدركت براندي أن جيم يتلقى معظم هذه العقوبة الصارمة.
كان هدير العاصفة مصما ,حتى أن الهواء بدا خانقا لا يطاق , فتمنت لو تمزق الغطاء لتتنشق بعض الهواء المنعش , مع معرفتها بأن العاصفة الغضوب لن تتيح لها ذلك.
وتمتمت بصوت متأوه مختنق , دافعة رأسها في صدر جيم:
" لا .... لا أستطيع التنفس".
حاول جيم أن يهدىء من روعها هامسا في أذنها :
" أصمدي قليلا ... أننا سنتغلب على هذه العاصفة!".
صمتت براندي , وأكتفت بالأصغاء الى خفقات قلبه المتسارعة , وخالت الدقائق ساعات والعاصفة تزداد شراسة مولولة في دوائر الرمال الجامحة , وتضافرت موجة الضجيج مع الحر والغبار الخانق لتتحول الى كابوس رهيب.
أعلن جيم وأصابعه تنزلق بنعومة فوق شعرا الأشعث:
" براندي يمكنك أن تتنفسي الآن , أنتهى كل شيء".
وعندما رفضت التحرك نهض مبتعدا عنها , وأذا بالطمأنينة تغمرها وهي تفتح عينيها على أشعة الشمس الساطعة , كان البساط مرميا فوق الرمل مغطى بطبقة كثيفة من الغبار , تنهدت براندي وهي لا تكاد تصدق أنها عبرت هذه المحنة بسلام , وظلت ذرات من الغبار الدقيق تتراقص في الهواء ,ولكن العاصفة هدأت وأضمحلت, ورددت براندي:
" أكاد لا أصدق.... أكاد لا أصدق!".
فسألها جيم بسخريته المعتادة:
" ماذا تقولين؟".
وأبتسمت براندي وهي تجول بعينيها في زرقة الفضاء.
" حسبت أن العاصفة ستستمر".
وأستدارت نحوه فأذا بعينيه تزدادان بريقا ومد أصبعه ينظف أنفها من الغبار , ثم عرج على وجنتها قائلا:
" أن بشرتك تشبه ورق الزجاج الآن".
أجابته بقهقهة هازئة:
" لو ترى شاربيك من الغبار؟".
أبتسم بهدوء ثم نهض على قدميه , ومد يده ليساعدها على النهوض فقبلت مساعدته بدون تردد.
قالت بصوت هازىء وحاد في آن معا:
" هل تدرك أنني لم أشكرك على كل ما فعلته ؟ ليلة البارحة والآن؟ ".
فأقترب منها جيم مجيبا:
" سأطالب بمكافأة مقابل أنقاذي لك , أليس كذلك؟".
كانت براندي في حالة من الأرهاق النفسي , وبعد مرور أربع وعشرين ساعة لم تعد تشعر بالأحراج أمام هذا الرجل الغريب , وأذ بها تجد جيم يتقدم منها ويعانقها , فلم تبد أي أعتراض , بل وجدتها فرصة لتجديد مشاعرها والأحتفاظ بكامل وعيها ,ومع ذلك جاء عناقه لها في لحظة لم تقدّر عواقبها البعيدة بالرغم من الشعور الخاطف الذي سرى في شرايينها وكأنه ألسنة من النيران الدافئة , ثم قبلها على رأسها , فرفعت عينيها تتمعن في وجهه الذي أخذ يبتعد عنها خطوات قليلة , وقال لها بكلمات مدروسة:
" كان من الأفضل لو لم أفعل كل هذا".
وأدار جيم ظهره اليها وهو ينحني لألتقاط لبادة السرج مرددا:
" دعينا ننسى كل ما جرى".
فأجابته لماذا؟".
حمل البساط ومده فوق السرج معلنا:
" لا أريدك أن تكوّني فكرة خاطئة عني فتسيئي فهمي".
لم تجد كلامه مقنعا بل زادها جوابه أرتباكا.
وأحس جيم بما يدور في خاطرها فسارع الى تطمينها:
" أنك لا تزالين في أول العمر وجذابة للغاية".
وكادت تتمزق غيظا وهي تسمعه يخاطبها بهذه اللهجة فردت بقساوة:
" أنك تراني في أول عمري نظرا لتقدم عمرك".
ثم لم تلبث أن ندمت لتفوهها بهذه الكلمات, فأعتذرت منه وهي لا تزال تفكر في طرافة تعليقها على عمره , وسمعته يقول لها:
"أنا أحترمك يا براندي ولا أتمنى لك ألا الخير , خاصة بعد أن عرفتك عن كثب".
تنهدت براندي وهي تدرك تفاهو هذا الحوار من أساسه:
"ما الذي تعنيه بالضبط يا جيم ؟".
راح يتمن فيها لبضع هنيهات قبل أن يجيبها بصبر:
" ثمة أشياء كثيرة لا تعرفينها عني , وأنا أعرفها يا براندي".
كانت أجوبته غامضة مخيبة لآمالها , فأبتعدت عنه وهي تلوح بيدها في الهواء:
" هل أنت متزوج ولديك ثلاثة أطفال صغار , أم ماذا؟".
أعلن بصوت مليء بالسخرية:
" لا , لست متزوجا , هيا بنا يا براندي ما زال علينا قطع مسافة طويلة".
ولدقائق قليلة نسيت براندي محنتها الشخصية , أخذت تفكر في أهلها الذين ينتظرونها بقلق بالغ بينما كانت تجادل سارق الماشية وهو يحاول ضرب ستار من الغموض حول نفسه.
تقدمت لتسير بجانبه فلاحظت أن السرج وبقية الأغراض لا تزال ملقاة على الأرض , فسألته بوجه عابس:
" هل تنوي التخلي عن كل هذه الأشياء؟".
قال بعفوية:
" سوف آخذها في وقت لاحق".
وشرعا بالمسير وهو يتقدمها بضع خطوات مع أنه كان يتمهل قليلا ليمكنها من اللحاق به , وشعرت وهي تجول بنظراتها في أمتداد الصحراء المرقطة بالشجيرات ونباتات الصبار أنها وسط عالم لا حدود له يترامى نحو الأفق البعيد ولا ينتهي هناك ,ووجدت نفسها تقول له:
" كيف ستجد حصانك هنا؟".
أجابها:
" من المحتمل أنه سيتوجه نحو حظيرة الماشية ليشرب بعض الماء ما دامت العاصفة هدأت الآن".
حظيرة الماشية....... بدأت براندي تشك في نواياه مجددا , أنه يحتفظ بالماشية المسروقة في تلك الحظيرة حتى يأتي شركاؤه لشحنها من هناك , وربما كانت قرب مكان خيمته , لكنها عندما أمعنت التفكير تذكرت أنها لم تسمع أصوات ماشية عندما صادفته للمرة الأولى , لم تسمع آنذاك سوى حمحمة الحصان.
توقفت عن التفكير في هذه المسألة وراحت تدرس قسماتوجهه , وأنتابها الفضول وهي تحاول سبر معاني أجوبته الغامضة ,لم تصل الى نتيجة , ثم عجبت من رجل يمكنه أن يعمل أي شيء يريد , ويتحول الى سارق ماشية , يا للعار!.
وبتردد طرحت عليه سؤالها:
" جيم؟ هل تحترف سرقة الماشية؟ أعني ألم تفكر في عمل شيء آخر؟".
أجابها بنظرة مطمئنة:
" كنت أتوقع سؤالا كهذا".
قالت محتجة وقد تحاشى سؤالها بجواب غامض مرة أخرى :
" ماذا؟".
وبرقت عيناه وهو يطلق قهقهة خفيفة:
" كنت أتحدث عن غريزة الأنثى في أصلاح الرجل , أن غريزتك ظهرت في نهاية المطاف , هل كنت تنوين ألقاء محاضرة حول فداحة طرقي المعوجة؟".
قالت بأسلوب دفاعي:
" أنه مجرد سؤال فضولي ليس أكثر!".
وأنتظرت أن يبادرها بجواب ولكن دون جدوى , فأستسلمت للأمر الواقع غير مكترثة بسؤاله مرة ثانية.


يتبع/ 8


التوقيع :

  رد مع اقتباس
قديم 02-03-2010, 09:15 PM   #10
 
الصورة الرمزية الماسة العراقية
Laugh24



9

المفاجأة
أجتازا نحو مسافة ميلين فوق درب ملتو وسط الصحراء المكسوة بنباتات الصبار والمريمية , وكانت الشمس تنشر أشعتها الدافئة مبددة كل ما تبقى من برودة الليل .
وهكذا خلع جيم سترته في حين أزاحت براندي حزامها وتركت المعطف يتدلى فوق كتفيها عاقدة وسطه في عرى بنطالها.
توقفت براندي فوق هضبة صغيرة لألتقاط أنفاسها , وكان شعرها الأشقر يتدلى فوق جبينها في حلقات صغيرة مجعدة نتيجة تصبب عرقها ,ومد جيم يده نحوها ليساعدها على تسلق الهضبة , وعندما رآها تتجاهله أصر عليها قائلا :
" يمكنك الأستراحة هنا".
هزت كتفيها بحركة لا مبالية وأمسكت بيده متسلقة الى رأس الهضبة.
جلست هناك متكئة على مرفقها في ظل شجيرة مورقة.
وقالت وهي تبتسم مستخفة بنفسها:
" من السهل معرفة أنني أجيد الأمتطاء أكثر من المشي".
فتح قنينة الماء وناولها أياها :
" أن هذه الشمس الساطعة تستنزف طاقة أي أنسان".
كان الماء في القنينة دافئا بعض الشيء غير أن السائل خفف من جفاف حلقها , شربت للمرة الثانية جرعة كبيرة ثم أعادت القنينة الى جيم, وأخذت أذانها تطن طنينا مزعجا فردت السبب الى الحر والأنهاك , لكن الطنين أزداد قوة.
وصاحت بصوت واثق:
" جيم , أظن أنني أسمع هدير هليكوبتر".
وضعت كفها فوق عينيها لتحجب وهج الشمس باحثة في الفضاء عن مصدر الصوت , لمعت أشعة الشمس على كتلة معدنية تحلق على علو منخفض , فوقعت عيناها على الهليكوبتر , وهنا قال لها جيم بدون حاجة الى التفسير:
" أنها تحمل فرقة بحث".
وبأرتياح ظاهر أجابت:
" أعرف هذا!".
وأدركت أنها خلال دقائق معدودة سترجع الى أحضان أهلها المرحة , ولكن ماذا لو شاهدوا جيم؟ كانت براندي تدرك أن أعتقال جيم كسارق للماشية سيكون مؤلما بالنسبة اليها ,خاصة بعد كل الذي أدّاه من خدمات , أنه مجرم , ومع ذلك فهي تكن له أعجابا خفيا , وشعرت أن عليها مساعدته على الهرب بغض النظر عن خطأ هذا الموقف أو صحته , نظرت اليه بقلق وهي تتفحص قسماته الهادئة:
"لم يتبينوا مكاننا حتى الآن , يمكنك الأختباء في كتلة نباتات المسكيت هنا , ولن يعرفوا حتى أنك كنت هنا , جيم لو تختبىء الآن!".
أبتسم أبتسامة مخادعة:
" أنك لن تقومي بتسيمي؟".
قالت وهي تلقي نظرة على الهليكوبتر المقتربة:
" لا أستطيع أن أفعل ذلك , أنهم يقتربون , أسرع يا جيم قبل أن يروك".
ووجدت نفسها تقف الى جانبه , وهو يبتسم تلك الأبتسامة الساخرة , كم كرهت هذه اللحظة التي ستقول فيها وداعا.
همست بحذر:
" أرجوك أن تكون حريصا".
تردد لحظة وقال بصوت حاد:
" أنا لا أنوي الذهاب يا براندي".
قالت وهي تزداد قلقا:
" ولكن....".
وأخيرا أصبحت الهيلكوبتر على مقربة منها حيث يمكنها أن تتبين بوضوح الطيار والشخص الذي يجلس الى جانبه , ثم رأت الطيار يشير بيده نحوهما , أذن فات الأوان وأفتضح أمر جيم.
قالت وعيناها تترقرقان بالدموع:
" آه يا جيم ! رأوك , رأوك".
وتمتم بكلمات غامضة المعنى:
" أنا آسف يا براندي , أنا آسف كثيرا".
لكنها أصرت ووجهها يزداد أكفهرارا :
" أنا آسفة , أنا آسفة".
أستقرت يده على كتفها ثم قال لها:
" ثمة بقعة ملائمة هناك ستحط فيها الهيلكوبتر لنقلنا".
وسار معا نحو البقعة وجيم يحاول دفعها أمامه وهي لا تكاد تصدق ما الذي يدور حولها.
سألته بأستنكار:
"ألن تحاول الهرب؟ ما زال أمامك متسع من الوقت".
بقي جيم صامتا , لكنه واظب على دفعها في الأتجاه ذاته , فعادت الى تأنيبه:
" هل تريد أن يلقوا القبض عليك؟ هل هذا ما تريده؟ سيضعونك في السجن".
أقتربا من الهيلكوبتر فأضطرت للصياح وهي تلفظ كلمتها الأخيرة .
ظل جيم صامتا حتى وصلا الى البقعة , وسحب يده عن كتفها فجأة بأسلوب غريب.
وبصوت حاسم وواضح قال:
" أنا لست سارق ماشية يا براندي!".
وبادرت الى الأحتجاج :
" ولكنك قلت...".
فعاجل الى تصحيح كلماتها :
" لا , أنت قلت ذلك".
بدا وكأنه شخص آخر تماما , فحاولت تبين السبب الكامن وراء هذا التغيير الفجائي , ثم هزت رأسها معلنة جهلها المطبق.
أستجمععت قواها مجددا:
" من أنت؟ ما هو أسمك الحقيقي؟".
أثارت طائرة الهيلكوبتر غبارا كثيفا وهي تحط على البقعة فتحول أنتباه براندي نحو هذه الآلة العجيبة حامية عينيها من حبات الرمل المتطايرة , بقي الطيار جالسا في جهاز القيادة في حين ترجل رفيقه وأخذ يعدو حانيا ظهره صوب براندي وجيم , وظهر بادي الأرتياح مغتبطا وهو يصيح مصافحا جيم:
"كم أنا سعيد برؤيتك معافى سليما , شاهد ريمون حصانك يتجه نحو الزريبة قبل هبوب العاصفة بقليل".
وتابع محدقا في براندي:
" لا بد أنك بنت السيد أيمس".
هزت براندي رأسها شبه المخدر علامة الموافقة والريح تتلاعب بأطراف المعطف , وجدت نفسها في دوامة من الحيرة , وراحت تفصل في ذهنها بين الحقائق والخيال , بدا على هذا الشخص أنه يعرف جيم معرفة جيدة , وجيم هو أسمه الحقيقي لا ريب في ذلك, وأدركت براندي أن كل الأهتمام كان منصبا على سلامة جيم وحده , وهو حتما ليس سارق ماشية , بل هو شخص هام ,ولكن من؟ ثم تذكرت ذلك الشعور الغريب الذي غمرها عندما رأته للمرة الأولى وأعتقدت أنه يبدو مألوفا , وبعينين شبه مغلقتين نتيجة الغبار المتصاعد أخذت تتمعن في وجهه , كانت قسماته غير واضحة بسبب لحيته وأطار القبعة العريض فلم تصل الى نتيجة حاسمة , وفجأة سمعته يقول:
" هل أنت جاهزة؟".
ولاحظت أن جيم يكرر كلمات الرجل الآخر فحدقت فيه بدون جواب محاولة كشف هويته ولكنه لم يمهلها:
" آنسة أيمس هل أنت جاهزة للرحيل؟".
آنسة أيمس !, هزها هذا التعبير قاطعا عليها سلسلة أفكارها , خرجت كلمة آنسة بأسلوب مفعم بالأحترام والتهذيب لا أثر فيه للسخرية مما ضاعف من دهشتها , ترى لماذا لا يناديها براندي الآن؟ وأخيرا أومأت برأسها معلنة موافقتها.
أمسك الرل الآخر بذراعها وقادها الى طائرة الهيلكوبتر حيث أجلسها في المقعد الخلفي مشيرا عليها بأستعمال حزام الأمان , وأشاحت براندي بنظرها عندما تسلق جيم الى مقعده المحاذي لمقعدها وهي تشعر أنه خدعها الى درجة لا تطاق, ثم رأت الرجل الآخر يصعد الى جانب الطيار فنفذت تعليماته بصدد حزام الأمان , وصاح الرجل بأعلى صوته مخاطبا الطيار وضجيج المحرك يصم الأذان.
" هل أتصلت لاسلكيا بآمر الشرطة لأبلاغه أننا وجدنا بنت أيمس مع كوربت؟".
هز الطيار رأسه بالأيجاب , وبدأت الهيلكوبتر تحلق رويدا في الفضاء.
كوربت! وقع عليها الأسم وقع الصاعقة , ولمعت في ذهنها صورة رجل أسود الشعر والعينين بارز الوجنتين والفك , ذي ذقن صلب مثلوم بأتقان وصاحب أبتسامة ساخرة تحوم على شفتيه بأستمرار , ولم تجد صعوبة في رسم بقية الصورة خاصة بريق العينين الجامح أو الهازىء...... أو الهادىء الى حد الجمود القاتل , أن لحيته هي التي ساهمت في حجب هويته عنها , وكيف كان بمقدورها كشف هويته في تلك الظروف وسط الصحراء؟ وهل يخطر في بال أحد أن ذلك الرجل الأشعث المشرد كراعي بقر في هذه الربوع القاحلة ليس ألا جيمس كوربت الممثل الشهير؟
سرت الصدمة في شرايينها وهي تقنع نفسها بهوية جيم , لا بد أنه سخر منها كثيرا! ولا شك أنه أغمي عليه من الضحك عندما ظنت أنه سارق ماشية , وتستطيع أن تتصور منذ الآن مدى أغتباطه وهو يروي القصة لزملائه الممثلين , كم كانت فائقة الغباء! وأشتعلت وجنتاها خجلا وهي تشعر بأحراج شديد , عضّت بأسنانها على شفتها السفلى محاولة حبس آهة الكبرياء الجريح , وحدقت في الرجل الجالس بجوارها وعيناها تشتعلان غيظا , نظر اليها نظرة باردة وراح كل منهما يتلهى بمنظر نباتات الصحراء في الأسفل.
بعد قليل مدت براندي رأسها الى الأمام محدقة في الطيار , لا ريب أن جيم أدرك الآن أنها عرفت هويته الحقيقية , وأنتهت لعبته المسلية فلم يعد في حاجة اليها , شعرت في أعماقها أنها لا تزال تفكر به كجيم مما دفعها الى التصميم على أنهاء هذه المهزلة والشروع بأعتباره جيمس كوربت ........ الممثل الذائع الصيت.

ثبت الطيار سماعتي الأذن بأحكام ثم أومأ الى زميله ليلتقط السماعتين المعلقتين على لوحة جهاز القيادة ,ثمتم زميل الطيار بعض الكلمات في الميكروفون ثم أصغى هنيهة , وأستدار أخيرا نحو جيم وصاح:
" يوجد مراسلون صحفيون في بيت أيمس , علموا أن فريق بحث يفتش عنك أنت أيضا , هل تريد أن نهبط في منطقة سوارو عوض ذلك؟".
ولاحظت براندي مدى أنوعاج جيم وأستيائه , أنها لا تريد سوى العودة الى المنزل ووضع حد لهذا الكابوس الرهيب , وها هي الآن تجد نفسها في مأزق جديد دبره لها مراسلوا الصحف , وهنا أعلن جيم:
" سنذهب الى منزل أيمس".
هز زميل الطيار كتفيه كأنه يقول أن جيم هو الآمر الناهي , ونقل التعليمات الى الطيار ,وما هي ألا دقائق حتى لمحت براندي منزلها الجميل ,كانت الطريق تعج بالسيارات والشاحنات وقاطرات الخيل تمتد حول الأسطبل , وأخذت جموع الناس تتحرك صوب الهليكوبتر التي بدأت بالهبوط فوق طريق الحصى الممتدة أمام منزلها , وأستطاعت براندي تبين ملامح والديها القلقة وسط جمهرة الناس وقبل أن يحجب رؤيتها الغبار المتصاعد من دوران مراوح الهليكوبتر ,وبعد أن أستقرت تماما أومأ جيم للطيار بأيقاف المحرك ,فكت براندي حزام الأمان وشرعت بالترجل بلهفة وأرتباك , كان جيم ينتظرها في الخارج غير أنها تجاهلت يده التي أمتدت لمساعدتها وقفزت الى الأرض وحدها , وفوجئت بصدره العريض يسد طريقها نحو الجمهور فلم يسعها الا التحديق في وجهه, أنها الآن أشد حذرا منه وأكثر أستياء من أي وقت مضى , وخرجت الكلمات من فمها باردة واثقة وهي ترفض سماع تبريراته:
" هلا سمحت لي بالمرور يا سيد كوربت؟ أن أهلي في أنتظاري".
ثم تقدمت مسرعة للقاء وجهي والديها بفيضان أرتياحا وغبطة , وأرتسمت على ثغرها أبتسامة مصطنعة متوترة وهي تحاول قراءة ما يدور في بال والديها حول عودة أبنتهما برفقة ممثل شهير.
بدت والدتها لينورا هادئة فرحة وفائقة الجمال في ثوبها الجديد وشعرها الأشقر الذي تتخلله ألوان رمادية مما يمنحها مظهرا يدل على ثقافتها , وهكذا أندفعت براندي دون وعي نحو ذراعي والدتها , حضنت لينورا أيمس وجه أبنتها بين راحتيها وهي تشعر بطمأنينة عميقة , لكنها سرعان ما قالت:
" لقد أدخلت الرعب في قوبنا يا عزيزتي , أن منظرك يثير الشفقة".
وأدركت براندي أن منظرها يثير الشفقة حتما وهي ترتدي ذلك المعطف المكسو بالغبار , وتنتشر حبيبات الرمل في شعرها وثيابها وفوق بشرتها , فقالت موافقة قبل أن تواجه والدها ذا القامة الضخمة:
" أنني في حالة يرثى لها".
وما كادت تتقدم خطوة حتى كان والدها يضمها بحنان أبوي حميم , كان وجهه الذي لوحته الشمس يضفي عليه نضارة الشباب مع أن شعره الداكن الأجعد يخالطه الشيب .
وهمس ستيوارت أيمس في أذن أبنته الوحيدة:
" هل أنت في خير؟".
وما كان من براندي الا أن أزدادت ألتصاقا به قائلة:
" أنا بخير يا والدي"
ثم فتحت عينيها لترى المراسلين يتحلقون حول جيمس كوربت والكاميرات تلتقط الصور , ولم يفتها أن لقاءها مجددا مع والديها حظي أيضا بأهتمام عدد هائل من المصورين .


: وما كاد والدها ينتهي من عناقه لها حتى وجدت نفسها محاطة بثلاثة من المراسلين يوجهون اليها السؤال تلو الآخر:

" كيف تشعرين يا آنسة أيمس؟".
وهزت برأسها:
" أنني في حالة ممتازة ".
" هل تشعرين بالأرتياح بعد العودة الى منزلك؟".
" طبعا".
" ما هو شعورك حول قضاء الليل في الصحراء؟".
جاءت الأسئلة كوابل لا ينقطع حتى وجدت براندي نفسها تفقد التركيز على سؤال قبل أن يواجهها آخر , ولم تلحظ أقتراب جيم منها وهي في هذه الحالة المربكة , ظهر فجأة يقدم نفسه بتهذيب بالغ الى والديها , وأتت ردة فعل أهلها لتبعث الفخر في نفسها , عاملاه بأحترام بدون أن تكتنفهما الرهبة , وعلق والدها:
" سمعنا أنك كنت ضحية العاصفة الرملية".
وقاطع أحد المراسلين :
" آنسة ايمس ماذا فعلت عندما هبت العاصفة الرملية؟".
سادت لحظة من الصمت مما أتاح لبراندي الأجابة , فقالت بعد أن كادت تلفظ أسمه الأول:
" في الواقع جي....... السيد كوربت أحس بأقتراب العاصفة فتمكنا من الأحتماء ببعض الصخور الى أن هدأت".
وأستفسر مراسل ثان:
" هل تعنين أنك والسيد كوربت كنتما معا عندما هبت العاصفة؟".
وتلعثمت براندي مدركة بعد فوات الأوان أن لا أحد يعلم عن وجودها مع جيم قبل عملية الأنقاذ , وأذا بعينيها تطلبان الأستغاثة العاجلة من جيم , أنه وحده قادر على أخراجها من هذا المأزق الآن .
وأعلن جيم بهدوء للمراسلين الذين أزدادوا فضولا:
" ألتقيت بالآنسة أيمس ليلة البارحة , كانت ضلت سبيلها في الظلام فلمحت ضوء النيران التي أوقدتها قرب خيمتي وعرجت طالبة المساعدة".
جعل كلامه كل شيء مسألة طبيعية عادية جدا لا تحتاج الى تعليق أو أستفسار , لكنه لم يلبث أن تلقى السؤال التالي:
" ثم قضيتما الليل سوية في الصحراء , أليس كذلك؟".
أبتسم جيمس كوربت هادىء الأعصاب:
" أعتقد أنه يمكنك قول ذلك , نعم".
وجاء دور براندي:
"وما هو سبب هذه الخدوش على ذراعك آنسة أيمس؟".
كانت براندي غافلة كليا عن الخدوش فكادت أن تصاب بالدهشة لرؤيتها مرة أخرى , تمنت لو فطنت الى تغطيتها بأطراف المعطف.
وأخيرا أجابت:
" تعثرت فوق أشواك نباتات المريمية والمسكيت".
وقهقه أحد المراسلين بخبث:
" هل كنت تركضين خوفا من شيء ما؟".
أستشاطت براندي غيظا وهي تتذكر هربها الجنوني الى الصحراء عندما رأت السكين في يد جيم.
وهنا تدخل جيم:
" هل تريد بسؤالك الأيحاء أنني كنت أطارد الآنسة أيمس حول نيران الخيمة؟ أنها أستخدمت تعبيرا مجازيا عندما قالت أنها تعثرت فوق الأشواك".
ووافقت بسرعة :
" هذا صحيح".
أرتفع صوت مراسل آخر يسأل:
" لماذا لا تعطينا صورة لمعنى الضياع في الصحراء مع جيمس كوربت؟".

يتبع 10


التوقيع :

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:27 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by kootta.com

Secured by team khibra
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009